الخميس، 29 سبتمبر 2011
قصة حزقيل قال الله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَٰهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ } (سورة البقرة:243) . قال محمد بن إسحاق، عن وهب بن منبه: إن كالب بن يوفنا لما قبضه الله إليه بعد يوشع خلف في بني إسرائيل حزقيل بن بوذي، وهو ابن العجوز، وهو الذي دعا القوم الذين ذكرهم الله في كتابه فيما بلغنا. (ألم تر إلي الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت) قال ابن إسحاق: فروا من الوباء فنزلوا بصعيد من الأرض، فقال لهم الله: موتوا، فماتوا جميعاً، فحظروا عليهم حظيرة دون السباع، فمضت عليهم دهور طويلة، فمر بهم حزقيل عليه السلام فوقف عليهم متفكراً، فقيل له: أتحب أن يبعثهم الله وأنت تنظر؟ فقال: نعم، فأمر أن يدعو تلك العظام أن تكتسي لحماً، وأن يتصل العصب بعضه ببعض، فناداهم عن أمر الله له بذلك، فقام القوم أجمعون وكبروا تكبيرة رجل واحد. وقد أسباط، عن السدي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن أناس من الصحابة في قوله: (ألم تر إلي الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم) قالوا: كانت قرية يقال لها دراوردان قبل واسط، وقع بها الطاعون، فهرب عامة أهلها فنزلوا ناحية منها، فهلك من بقى في القرية، وسلم الآخرين فلم يمت منهم كثير، فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين، فقال الذين بقوا: أصحابنا هؤلاء كانوا أحزم منا لو صنعنا كما صنعوا بقينا، ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن معهم، فوقع في قابل، فهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفاً حتى نزلوا ذلك المكان وهو واد أفيح. فناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه، فماتوا، حتى إذا هلكوا وبقيت أجسادهم مر بهم نبي يقال له حزقيل، فلما رآهم وقف عليهم فجعل يتفكر فيهم ويلوي شدقيه وأصابعه، فأوحى الله إليه، تريد أن أريك كيف أحييهم؟ قال: نعم، وإنما كان تفكيره أنه تعجب من قدرة الله عليهم، فقيل له: ناد، فنادى: يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي فجعلت العظام يطير بعضها إلي بعض، حتى إذا كانت أجساداً من عظام، ثم أوحى الله إليه، أن ناد: يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً، فاكتست لحماً، فاكتست لحماً ودماً وثيابها التي ماتت فيها، ثم قيل له: ناد، فنادى: أيتها الأجساد إن الله يأمرك أن تقومي فقاموا. قال أسباط: فزعم منصور عن مجاهد أنهم قالوا حين أحيوا: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت، فرجعوا إلي قومهم أحياء يعرفون أنهم كانوا موتى، سحنة الموت على وجوههم لا يلبسون ثوباً إلا عاد كفناً وسخاً، حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم. وعن ابن عباس أنهم كانوا أربعة آلاف، وعنه ثمانية آلاف، وعن أبي صالح تسعة آلاف، وعن ابن عباس أيضاً: كانوا أربعين ألفاً. وعن سعيد بن عبد العزيز: كانوا أهل أذرعات. وقال ابن جريج عن عطاء: هذا مثل، يعني أنه سيق مثلاً مبيناً أنه لن يغني حذر من قدر!. وقول الجمهور أقوى أن هذا وقع. وقد روي الإمام احمد وصاحبا الصحيح من طريق الزهري، عن عبد الحميد بن عبد الحرمن بن زيد بن الخطاب، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عبد الله بن عباس، أن عمر بن الخطاب خرج إلي الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه؛ فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام، فذكر الحديث. يعني في مشاورته المهاجرين والأنصار فاختلفوا عليه، فجاءه عبد الرحمن بن عوف، وكان متغيباً ببعض حاجته فقال: إن عندي من هذا علماً، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا كان بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه، وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه". فحمد الله عمر، ثم انصرف وقال الإمام: حدثنا حجاج ويزيد المفتي، قالا: حدثنا ابن أبي ذؤيب، عن الزهري، عن سالم، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة؛ أن عبد الرحمن بن عوف أخبر عمر وهو في الشام عن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا السقم عذب به الأمم قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض أنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه. قال: فرجع عمر من الشام وأخرجاه من حديث مالك عن الزهري بنحوه. قال محمد بن إسحاق: ولم يذكر لنا مدة لبث حزقيل في بني إسرائيل، ثم إن الله قبضه إليه، فلما قبض نسى بنو إسرائيل عهد الله إليهم، وعظمت فيهم الأحداث وعبدوا الأوثان، وكان في جملة ما يعبدونه من الأصنام صنم يقال له بعل، فبعث الله إليهم إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران. قلت: وقد قدمنا قصة إلياس تبعاً لقصة الخضر، لأنهما يقرنان في الذكر غالباً، ولأجل أنها بعد قصة موسى في سورة الصافات، فتعجلنا قصته لذلك، والله أعلم. قال محمد بن إسحاق فيما ذكر له عن وهب بن منبه قال: ثم تنبأ فيهم بعد إلياس وصيه اليسع بن أخطوب عليه السلام.
صور للمسجد الحرام صور للمسجد الحرام صور لمساجد حول العالم صور لمساجد حول العالم صور للحرم النبوي صور للحرم النبوي مناسك الحج والعمرة مناسك الحج والعمرة صور لآثار إسلامية نادرة صور لآثار إسلامية نادرة تعليم الصلاة تعليم الصلاة تعليم الوضوء تعليم الوضوء صور لإعجاز الخالق صور لإعجاز الخالق صور إسلامية متنوعة صور إسلامية متنوعة المسجد الأقصي المسجد الأقصي أثار سيدنا محمد (ص) أثار سيدنا محمد (ص) صلاة التراويح صلاة التراويح صور رمضان 2011 صور رمضان 2011 صور نسب الرسول (ص) و شجرة الانبياء صور نسب الرسول (ص) و شجرة
مقالات متعلقة - قصص الأنبياء * 01 قصة آدم عليه السلام * 02 قصة إدريس عليه السلام * 04 قصة هود عليه السلام * 03 قصة نوح عليه السلام * 06 قصة إبراهيم الخليل عليه السلام المقالات الأكثر مشاهدة تحت قسم قصص الأنبياء * 01 قصة آدم عليه السلام * 03 قصة نوح عليه السلام * 02 قصة إدريس عليه السلام * قصة سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) * 06 قصة إبراهيم الخليل عليه السلام
قصة صالح نبي ثمود عليه السلام وهم قبيلة مشهورة، يقال لهم: ثمود، باسم جدهم ثمود أخي جديس، وهما أبنا عاثر بن إرم بن سام بن نوح. وكانوا عرباً من العاربة يسكنون الحجر الذين بين الحجاز وتبوك. وقد مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب إلي تبوك بمن معه من المسلمين كما سيأتي بيانه، وكانوا بعد قوم عاد، وكانوا يعبدون الأصنام كأولئك. فبعث الله فيهم رجلاً منهم، وهو عبد الله ورسوله، صالح بن عبيد بن ماشخ بن عبيد بن حاجر بن ثمود بن عاثر بن إرم بن سام بن نوح، فدعاهم إلي عبادة الله وحده لا شريك له، وأن يخلعوا الأصنام والأنداد ولا يشركوا به شيئاً، فآمنت به طائفة منهم، وكفر جمهورهم، ونالوا منه بالمقال والفعال، وهموا بقتله، وقتلوا الناقة التي جعلها الله حجة عليهم. فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر. والمقصود الآن ذكر قصتهم وما كان من أمرهم، وكيف نجى الله نبيه صالحاً عليه السلام ومن آمن به، وكيف قطع دابر القوم الذين ظلموا بكفرهم وعتوهم، ومخالفة رسولهم عليه السلام. وقد قدمنا أنهم كانوا عرباً، وكانوا بعد عاد ولم يعتبروا بما كان من أمرهم، ولهذا قال لهم نبيهم عليه السلام: {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } * {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ ٱلْجِبَالَ بُيُوتاً فَٱذْكُرُوۤاْ آلآءَ ٱللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ } (سورة الأعراف:73ـ74) . أي: إنما جعلكم خلفاء من بعدهم لتعتبروا بما كان من أمرهم، وتعملوا بخلاف عملهم. وأباح لكم في هذه الأرض تبنون في سهولها القصور، {وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ } (سورة الشعراء:149) . أي: حاذقين في صنعتها وإيقانها وإحكامها، فقابلوا نعمة الله بالشكر والعمل الصالح، والعبادة له وحده لا شريك له، وإياكم ومخالفته والعدول عن طاعته، فإن عاقبة ذلك وخيمة. ولهذا وعظمهم بقوله: {أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَآ آمِنِينَ } * {فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } * {وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ } (سورة الشعراء:146ـ148) . أي: متراكم كثير حسن بهي ناضج. {وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ } * {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ } * {وَلاَ تُطِيعُوۤاْ أَمْرَ ٱلْمُسْرِفِينَ } * {ٱلَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ } (سورة الشعراء:149ـ152) . وقال لهم أيضاً: {قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا } (سورة هود:61) . أي: هو الذي خلقكم فأنشأكم من الأرض، وجعلكم عمارها، أي: أعطاكموها بما فيها من الزروع والثمار، فهو الخلق الرازق، فهو الذي يستحق العبادة لا ما سواه (فاستغفروا ثم توبوا إليه) أي: أقلعوا عما أنتم فيه وأقبلوا على عبادته فإنه يقبل منكم ويتجاوز عنكم {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ } )سورة هود:61( . {قَالُواْ يٰصَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـٰذَا } (سورة هود:62) . أي: قد كنا نرجو أن يكون عقلك كاملاً قبل أن هذه المقالة، وهي دعوتك إيانا إلي إفراد العبادة، وترك ما كنا نعبده من الأنداد، والعدول عن دين الآباء والأجداد، ولهذا قالوا: {أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ } (سورة هود:62) . {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ } (سورة هود:63) . وهذا تلطف منه لهم في العبارة، ولين الجانب، وحسن تأت في الدعوة لهم إلي الخير، أي: فما ظنكم إن كان الأمر كما أقول لكم وأدعوكم إليه؟ ماذا عذركم عند الله؟ وماذا يخلصكم بين يديه وأنتم تطلبون مني أن أترك دعوتكم إلي طاعته؟ وأنا لا يمكنني هذا لأنه واجب على ولو تركته لما قدر أحد منكم ولا من غيركم أن يجيرني من الله ولا ينصرني، فأنا لا أزال أدعوكم إلي الله وحده لا شريك له، حتى يحكم الله بيني وبينكم. وقالوا له أيضاً: {قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ } (سورة الشعراء:153) . أي: من المسحورين، يعنون مسحوراً لا تدري ما تقول في دعوتك إيانا إلي إفراد العبادة لله وحده، وخلع ما سواه من الأنداد، وهذا القول عليه الجمهور، وهو أن المراد بالمسحرين: المسحورين. وقيل: (من المسحرين): أي ممن له سحر ـ وهو الرئى ـ كأنهم يقولون إنما أنت بشر له سحر، والأول أظهر لقولهم بعد هذا: {مَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا } (سورة الشعراء:154) . سألوا منه أن يأتيهم بخارق يدل على صدق ما جاءهم به. {قَالَ هَـٰذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ } * {وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ } (سورة الشعراء:155ـ156) . وقال: { قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } (سورة الأعراف:73) . وقال تعالى: {وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا } (سورة الإسراء:59) . وقد ذكر المفسرون أن ثموداً اجتمعوا يوماً في ناديهم، فجاءهم رسول الله صالح فدعاهم إلي الله، وذكرهم وحذرهم ووعظهم وأمرهم، فقالوا له: إن أنت أخرجت لنا من الصخرة ـ وأشاروا إلي صخرة هناك ـ ناقة، من صفتها كيت وكيت، وذكروا أوصافا سموها ونعتوها وتعنتوا فيها، وأن تكون عشراء طويلة، من صفتها كذا وكذا، فقال لهم النبي صالح عليه السلام، أرأيتم إن أجبتكم إلي ما سألتم على الوجه الذي طلبتم، أتؤمنون بما جئتكم به وتصدقوني فيما أرسلت به؟ قالوا: نعم، فأخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك. ثم قام إلي مصلاه فصلى لله عز وجل ما قدر له، ثم دعا ربه عز وجل أن يجيبهم إلي ما طلبوا، فأمر الله عز وجل تلك الصخرة أن تنفطر عن ناقة عظيمة كوماء عشراء، على الوجه الذي طلبوا، وعلى الصفة التي نعتوا. فلما عاينوها كذلك رأوا أمر عظيماً ومنظراً هائلاً، وقدرة باهرة، ودليلاً قاطعاً، وبرهانا ساطعاً، فآمن كثير منهم، واستمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم، ولهذا قال: (فظلموا بها) أي: جحدوا بها ولم يتبعوا الحق بسببها، أي: أكثرهم وكان رئيس الذين آمنوا جندع بن عمرو بن محلاة بن لبيد بن جواس، وكان من رؤسائهم، وهم بقية الأشراف بالإسلام، فصدهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم، ورباب بن صمعر بن جلمس. ودعا جندع ابن عمه شهاب خليفة، وكان من أشرافهم، فهم بالإسلام فنهاه أولئك، فمال إليهم فقال في ذلك رجل من المسلمين يقال له مهرش بن غنمة بن الذميل رحمه الله: وكانت عصبة من آل عمرو عزيز ثمود كلهم جميعاً لأصبح صالح فينا عزيزاً ولكن الغواة من آل حجر إلي دين النبي دعوا شهابا فهم بأن يجب ولو أجابا وما عدلوا بصاحبهم ذؤابا وتولو بعد رشدهم ذئاب ولهذا قال صالح عليه السلام: {هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً } (سورة هود:64) . أضافها إليه سبحانه وتعالى إضافة تشريف وتعظيم، كقوله: بيت الله وعبد الله (لكم آية) أي: دليلاً على صدق ما جئتكم به {فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ } (سورة هود:64) . فاتفق الحال على أن تبقى هذه الناقة بين أظهرهم، ترعى حيث شاءت من أرضهم، وترد الماء يوماً بعد يوم، وكانت إذا وردت الماء تشرب ماء البئر يومها ذلك، فكانوا يرفعون حاجتهم من الماء في يومهم لغدهم، ويقال: إنهم كانوا يشربون من لبنها كفايتهم، ولهذا تعالى: {لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ } (سورة الشعراء:155) . ولهذا قال تعالى: {إِنَّا مُرْسِلُواْ ٱلنَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ } (سورة القمر:27) . أي: اختباراً لهم، أيؤمنون بها أم يكفرون؟ والله أعلم بما يفعلون: (فارتقبهم) أي: انتظر ما يكون من أمرهم (واصطبر) على آذاهم فسيأتيك الخبر على جلية {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ ٱلْمَآءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ } (سورة القمر:28) . فلما طال عليهم هذا الحال اجتمع علماؤهم، واتفق رأيهم على أن يعقروا هذه الناقة؛ ليستريحوا منها ويتوفر عليهم ماؤهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم، وسول لهم، وأملى لهم. قال تعالى: {فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَاصَالِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } (سورة الأعراف:77) . وكان الذي تولى قتلها منهم رئيسهم: قدار بن سالف بن جندع، وكان أحمر أزرق أصهب. وكان يقال إنه ولد زنية ولد علي فراش سالف، وهو من رجل يقال له صبان. وكان فعله ذلك باتفاق جميعهم، فلهذا نسب الفعل إليهم كلهم. وذكر ابن جرير وغيره من المفسرين: أن امرأتين من ثمود اسم أحدهما: "صدوق" ابنة الحيا بن زهير بن المختار، وكانت ذات حسب ومال، وكانت تحت رجل من أسم ففارقته، فدعت ابن عم لها يقال له مصدع بن مهرج بن المحيا وعرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقة، واسم الأخرى: "عنيزة" بنت غنم بن مجلز، وتكني: أم غنيمة، وكانت عجوزاً كافرة، لها بنات من زوجها ذؤاب بن عمرو أحد الرؤساء، فعرضت بناتها الأربع على قدار بن سالف؛ إن هو عقر الناقة فله أي بناتها شاء، فانتدب هذا الشابان لعقرها وسعوا في قومهم بذلك فاستجاب لهم سبعة آخرون فصاروا تسعة، وهم المذكورون في قوله تعالى: {وَكَانَ فِي ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ } (سورة النمل:48) . وسعوا في بقية القبيلة وحسنوا لهم عقرها، فأجابوهم إلي ذلك وطاوعوهم في ذلك، فانطلقوا يرصدون الناقة، فلما صدرت من وردها كمن لها "مصرع" فرماها بسهم فانتظم عظم ساقها، وجاء النساء يذمرن القبيلة في قتلها، وحسرن عن وجهن ترغيباً لهم في ذلك فابتدرهم قدار بن سالف، فشد عليها بالسيف فكشف عن عرقوبها فخرت ساقطة على الأرض، ورغت رغاة واحدة عظيمة تحذر ولدها، ثم طعن في لبتها فنحرها، وانطلق سقبها ـ وهو فصيلها ـ فصعد جبلاً منيعاً، ورغا ثلاثاً. وروى عبد الرزاق، عن معمر، عمن سمع الحسن أنه قال: يا رب أين أمي؟ ثم دخل في صخرة فغاب فيها. ويقال: بل اتبعوه فعقروه أيضاً. قال تعالى: {فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ } * {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ } (سورة القمر:29ـ30) . وقال تعالى: {إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا } * {فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَاهَا } (سورة الشمس:12ـ13) . أي: احذروها {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا } * {وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا }(سورة الشمس: 14ـ15). قال الإمام احمد: حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا هشام ـ هو أبو عروة ـ عن أبيه عن عبد الله بن زمعة قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الناقة وذكر الذي عقرها فقال: (إذا انبعثت أشقاها) انبعث لها رجل عارم عزيز متيع في رهطه مثل أبي زمعة" أخرجاه من حديث هشام به. عارم: أي شهم. عزيز: أي رئيس. منيع: أي مطاع في قومه. وقال محمد بن إسحاق: حدثني يزيد بن محمد بن خثيم، عن محمد بن كعب، عن محمد بن خثيم بن يزيد، عن عمار بن ياسر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: "ألا أحدثك بأشقى الناس"؟ قال: بلى، قال: "رجلان: أحدهما أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذا ـ يعني قرنه ـ حتى تبتل منه هذه ـ يعني لحيته ـ". رواه ابن أبي حاتم وقال تعالى: {فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَاصَالِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } (سورة الأعراف:77) . فجمعوا في كلامهم هذا بين كفر بليغ من وجوه: منها: أنهم خالفوا الله ورسوله في ارتكابهم النهي الأكيد في عقر الناقة؛ التي جعلها الله لهم آية. ومنها: أنهم استعجلوا وقوع العذاب بهم، فاستحقوه من وجهيه: أحدهما: الشرط عليهم في قوله: {وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ } (سورة هود:64) . وفي آية: {عَظِيمٍ } (سورة الشعراء:156) . وفي الأخرى: { أَلِيمٌ } (سورة الأعراف:73) . والكل حق. والثاني: استعجالهم على ذلك. ومنها: أنهم كذبوا الرسول الذي قام الدليل القاطع على نبوته وصدقه، وهم يعلمون ذلك علماً جازماً، ولكن حملهم الكفر والضلال والعناد على استبعاد الحق ووقوع العذاب بهم. قال الله تعالى: {فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ } ( سورة هود:65) . وذكروا أنهم لما عقروا الناقة كان أول من سطا عليها قدار بن سالف ـ لعنه الله ـ فعرقبها فسقطت إلي الأرض، ثم ابتدروها بأسيافهم يطعونها، فلما عاين ذلك سبقها ـ وهو ولدها ـ شرد عنهم فعلا أعلى الجبل هناك، ورغا ثلاث مرات. فلهذا قال لهم صالح: (تمتعوا في داركم ثلاثة أيام) أي: غير يومهم ذلك، فلم يصدقوه أيضاً في هذا الوعد الأكيد، بل لما أمسوا هموا بقتله وأرادوا ـ فيما يزعمون ـ أن يلحقوه بالناقة. (قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله) أي: لنكبسنه في داره مع أهله فلنقتلنه، ثم لنجحدن قتله، ولننكرن ذلك، إن طالبنا أولياؤه بدمه، ولهذا قالوا: {قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } ( سورة النمل:49) . قال تعالى: {وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } * {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ } * {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوۤاْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } * {وَأَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } (سورة النمل:50ـ53) . وذلك أن الله تعالى أرسل على أولئك النفر الذين قصدوا قتل صالح حجارة رضختهم فأهلكهم سلفاً وتعجيلاً قبل قومهم، وأصبحت ثمود يوم الخميس ـ وهو اليوم الأول من أيام النظرة ـ ووجوههم مصفرة؛ كما أنذرهم صالح عليه السلام، فلما أمسوا نادوا بأجمعهم ألا قد مضى يوم من الأجل، ثم أصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل وهو يوم الجمعة ـ ووجوههم محمرة، فلما أمسوا نادوا: ألا قد مضى يومان من الأجل، ثم أصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع وهو يوم السبت ـ ووجوههم مسودة، فلما أمسوا نادوا: ألا قد مضى الأجل. فلما كان صبيحة يوم الأحد تحنطوا وتأهبوا وقعدوا ينتظرون ماذا يحل بهم من العذاب والنكال والنقمة لا يدرون كيف يفعل بهم ولا من أي جهة تأتيهم العذاب. فلما أشرقت الشمس جاءتهم صيحة من السماء من فوقهم، ورجفة شديدة من أسفل منهم، ففاضت الأرواح، وزهقت النفوس، وسكنت الحركات، وخشعت الأصوات، وحقت الحقائق، فأصبحوا في دارهم جائمين، جثثاً لا أرواح فيها ولا حراك بها، قالوا: ولم يبق منهم أحد إلا جارية كانت مقعدة واسمها "كلبة" ابنة السلق ـ ويقال لها الذريعة ـ وكانت شديدة الكفر والعداوة لصالح عليه السلام، فلما رأت العذاب أطلقت رجلاها، فقامت تسعى كأسرع شيء، فأتت حيا من العرب فأخبرتهم بما رأت وما حل بقومها واستسقتهم ماء، فلما شربت ماتت. قال الله تعالى: (كأن لم يغنوا فيها) أي: لم يقيموا فيها من سعة ورزق وغناء { أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْداً لِّثَمُودَ } (سورة هود:68) . أي: نادى عليهم لسان القدر بهذا. قال الإمام احمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر قال: لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال: "لا تسألوا الآيات وقد سألها قوم صالح، فكانت ـ يعني الناقة ـ ترد من هذا الفج تصدر من هذا الفج، فعتوا على أمر ربهم فعقروها، فكانت تشرب ماءهم يوماً ويشربون لبنها يوماً، فعرقوها فأخذتهم صيحة أهمد الله عز وجل بها من تحت أديم السماء منهم إلا رجلاً واحداً كان في حرم الله عز وجل" فقالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: "هو أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه". وهذا الحديث على شرط مسلم، وليس هو في شيء من الكتب الستة، والله أعلم. وقد قال عبد الرزاق أيضاً: قال معمر: أخبرني إسماعيل بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبر أبي رغال، فقال: "أتدرون من هذا؟" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "هذا قبر أبي رغال؛ رجل من ثمود، كان في حرم الله منعه حرم الله من عذاب الله، فلما خرج أصابه ما أصاب قومه فدفن هاهنا، ودفن معه غصن من ذهب، فنزل القوم فابتدروه بأسيافهم، فجثوا عليه فاستخرجوا الغصن" قال عبد الرزاق: قال معمر: قال الزهري: أبو رغال أبو ثقيف. هذا مرسل من هذا الوجه. وقال جاء من وجه آخر متصلاً كما ذكره محمد بن إسحاق في السيرة عن إسماعيل ابن أمية عن بجير بن أبي بجير، قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجنا معه إلي الطائف، فمررنا بقبر؛ فقال: "إن هذا قبر أبي زغال وهو أبو ثقيف؛ وكان من ثمود؛ وكان بهذا الحرم يدفع عنه؛ فلما خرج منه أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه، وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب، إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه معه" فابتدره الناس فاستخرجوا من الغصن. وهكذا رواه أبو داود من طريق محمد بن إسحاق به. قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي رحمه الله: هذا حديث حسن عزيز. قلت: تفرد به بجير بن أبي بجير هذا، ولا يعرف إلا بهذا الحديث، ولم يرو عنه سوى إسماعيل بن أمية، قال شيخنا: فيحتمل أنه وهم في رفعه، وإنما يكون من كلام عبد الله بن عمر من زاملتيه. والله أعلم. قلت: لكن في المرسل الذي قبله، وفي حديث جابر، شاهد له، والله أعلم. وقوله تعالى: { فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ ٱلنَّٰصِحِينَ } (سورة الأعراف:79 ) . إخبار عن صالح عليه السلام، أنه خاطب قومه بعد هلاكهم، وقد أخذ في الذهاب عن محلتهم إلي غيرها قائلاً لهم: (يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم) أي: جهدت في هديتكم بكل ما أمكنني، وحرصت على ذلك بقولي وفعلي ونيتي. (ولكن لا تحبون الناصحين) أي: لم تكن سجاياكم تقبل الحق ولا تريده، فلهذا صرتم إلي ما أنتم فيه من العذاب الأليم، المستمر بكل المتصل إلي الأبد، وليس لي فيكم حيلة ولا لي بالدفع عنكم يدان، والذي وجب علي من أداء الرسالة والنصح لكم قد فعلته وبذلته لكم، ولكن الله يفعل ما يريد. وهكذا خطب النبي صلى الله عليه وسلم أهل قليب بدر بعد ثلاث ليال؛ وقف عليهم، وقد ركب راحلته، وأمر بالرحيل من آخر الليل، فقال: "يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا" وقال لهم فيما قال: "بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، فبئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم". فقال له عمر: يا رسول الله تخاطب أقواماً قد جيفوا؟ فقال: "والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يجيبون". وسيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله ويقال: إن صالحاً ـ عليه السلام ـ انتقل إلي حرم الله، فأقام به حتى مات. قال الإمام احمد: حدثنا وكيع، وحدثنا زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بوادي عسفان حين حج قال: "يا أبا بكر أي واد هذا؟" قال: وادي عسفان، قال: "لقد مر به هود وصالح عليهما السلام على بكرات خطمها الليف، أزرهم العباء، وأرديتهم النمار يلبون يحجون البيت العتيق". إسناد حسن عدد المشاهدات: 11117 تاريخ المقال: Wednesday, June 04, 2008 إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق أضف إلى المفضلة أضف إلى المفضلة مقالات متعلقة - قصص الأنبياء * 01 قصة آدم عليه السلام * 02 قصة إدريس عليه السلام * 04 قصة هود عليه السلام * 03 قصة نوح عليه السلام * 06 قصة إبراهيم الخليل عليه السلام المقالات الأكثر مشاهدة تحت قسم قصص الأنبياء * 01 قصة آدم عليه السلام * 03 قصة نوح عليه السلام * 02 قصة إدريس عليه السلام * قصة سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) * 06 قصة إبراهيم الخليل عليه السلام 05 قصة صالح نبي ثمود عليه السلام05 قصة صالح نبي ثمود عليه السلام خدمة المقالات تعمل باستخدام جاليليو مدير المواقع ™ أعلى الصفحة إرسل الصفحة إلى صديق إحفظ هذه الصفحة في المفضلة اخبار مصر اخبار مصر صفحـــة البدء رمضان 2011 تفسير القرآن تلاوات قرآنية تفسير الشعرواي أحاديث نبوية أحاديث قدسية شخصيات إسلامية قصص الأنبياء أدعية وأذكار
قصة اليسع وقد ذكره الله تعالى مع الأنبياء في سورة الأنعام في قوله: { وَإِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَالَمِينَ } (سورة الأنعام:86) . وقال تعالى في سورة ص: { وَٱذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ } (سورة ص:48) . قال ابن إسحاق: حدثنا بشر أبو حذيفة: أنبأنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، قال: كان بعد إلياس اليسع ـ عليهما السلام ـ فمكث ما شاء الله أن يمكث يدعوهم إلي الله مستمسكاً بمنهاج إلياس وشريعته حتى قبضه الله عز وجل إليه، ثم خلف فيهم الخلوف، وعظمت فيهم الأحداث والخطايا، وكثرت الجبابرة، وقتلوا الأنبياء، وكان فيهم ملك عنيد طاغ، ويقال إنه الذي تكفل له ذو الكفل إن هو تاب وراجع دخل الجنة فسمى ذا الكفل. قال محمد بن إسحاق: وهو اليسع بن أخطوب. وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في حرف الياء من تاريخه: اليسع هو الأسباط ابن عدي بن شوتلم بن أفرائيم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل. ويقال: هو ابن عم إلياس النبي عليهما السلام. ويقال: كان مستخفياً معه بجبل قاسيون من ملك بعلبك، ثم ذهب معه إليها، فلما رفع إلياس خلفه اليسع في قومه، ونبأه الله بعده. ذكر ذلك عبد المنعم بن إدريس، عن أبيه، عن وهب بن منبه، قال: وقال غيره: وكان الأسباط ببانياس. ثم ذكر ابن عساكر قراءة من قرأ اليسع بالتخفيف والتشديد، ومن قرأ والليسع وهو اسم واحد لنبي من الأنبياء. قلت: قد قدمنا قصة ذا الكفل بعد قصة أيوب عليه السلام، لأنه قد قيل إنه ابن أيوب، فالله تعالى أعلم. قال ابن جرير وغيره: ثم مرج أمر بني إسرائيل وعظمت منهم الخطوب والخطايا، وقتلوا من قتلوا من الأنبياء، وسلط الله عليهم بدل الأنبياء ملوكاً جبارين يظلمونهم، ويسفكون دماءهم، وسلط الله عليهم الأعداء من غيرهم أيضاً، وكانوا إذا قاتلوا أحداً من الأعداء يكون معهم تابوت الميثاق الذي كان في قبة الزمان، كما تقدم ذكره، فكانوا ينصرون ببركته، وبما جعل الله فيه من السكينة والبقية مما ترك آل موسى وآل هارون. فلما كان في بعض حروبهم من أهل غزة وعسقلان غلبوهم عليه وقهروهم على أخذه فانتزعوه من أيديهم، فلما علم بذلك ملك بني إسرائيل في ذلك الزمان مالت عنقه فمات كمداً. وبقى بنو إسرائيل كالغنم بلا راع؛ حتى بعث الله فيهم نبياً من الأنبياء يقال له شمويل، فطلبوا منه أن يقيم لهم ملكاً ليقاتلوا معه الأعداء، فكان من أمرهم ما سنذكره مما قص الله في كتابه. قال ابن جرير: فكان من وفاة يوشع بن نون إلي أن بعث الله عز وجل شمويل بن بالي أربعمائة سنة وستون سنة. ثم ذكر تفصيلها بمدد الملوك ملكوا عليهم، وسماهم واحداً واحداُ وتركنا ذكرهم قصداً
قصة قوم يس قصة قوم يس ومنهم أصحاب القرية أصحاب يس، قال الله تعالى: { وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ ٱلقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ } * { إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوۤاْ إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ } * { قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ } * { قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ } * { وَمَا عَلَيْنَآ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ } * { قَالُوۤاْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } * { قَالُواْ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ } * { وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ } * { ٱتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُّهْتَدُونَ } * { وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } * { أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونَ } * { إِنِّيۤ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } * { إِنِّيۤ آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ } { قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ قَالَ يٰلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ } * { بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ } * { وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ } * { إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ }(سورة يس:13ـ29) . اشتهر عن كثير من السلف والخلف أن هذه القرية "أنطاكية" رواه ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه، وكذا روى عن بريدة بن الخصب وعكرمة وقتادة والزهري وغيرهم، قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس وكعب ووهب أنهم قالوا: وكان لها ملك اسمه أنطيخس بن أنطيخس وكان يعبد الأصنام، فبعث الله إليه ثلاثة من الرسل وهم: صادق، ومصدوق، وشلوم، فكذبهم. وهذا ظاهر أنهم رسل من الله عز وجل. وزعم قتادة أنهم كانوا رسلاً من المسيح. وكذا قال ابن جريج، عن وهب، عن سليمان، عن شعيب الجبائي: كان اسم المرسلين الأولين: شمعون، ويوحنا، واسم الثالث بولس، والقرية أنطاكية. وهذا القول ضعيف جداً؛ لأن أهل أنطاكية لما بعث إليهم المسيح ثلاثة من الحواريين كانوا أول مدينة آمنت بالمسيح في ذلك الوقت. ولهذا كانت إحدى المدن الأربع التي تكون فيها بطاركة النصارى، وهن: أنطاكية، والقدس، وإسكندرية، ورومية ثم بعدها إلي القسطنطينية ولم يهلكوا. وأهل هذه القرية المذكورة في القرآن أهلكوا، كما قال في آخر قصتها بعد قتلهم صديق المرسلين: (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون) ولكن إن كانت الرسل الثلاثة المذكورون في القرآن، بعثوا إلي أهل أنطاكية قديماً فكذبوهم وأهلكهم الله، ثم عمرت بعد ذلك، فلما كان في زمن المسيح آمنوا برسله إليهم، فلا يمنع هذا، والله أعلم. فأما القول بأن هذه القصة المذكورة في القرآن هي قصة أصحاب المسيح، فضعيف لما تقدم، ولأن ظاهر سياق القرآن يقتضي أن هؤلاء الرسل من عند الله. وقال الله تعالى: (واضرب لهم مثلاً) يعني: لقومك يا محمد (أصحاب القرية) يعني: المدينة (إذ جاءها المرسلون * إذا أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث) أي: أيدناهما بثالث في الرسالة: (فقالوا إنا إليكم مرسلون) فردوا عليه بأنهم بشر مثلهم، كما قالت الأمم الكافرة لرسلهم، يستبعدون أن يبعث الله نبياً بشرياً، فأجابوهم بأن الله يعلم أنا رسله إليكم، ولو كنا كذبنا عليه لعاقبنا وانتقم منا أشد الانتقام (وما علينا إلا البلاغ المبين) أي: إنما علينا أن نبلغكم ما أرسلنا به إليكم، والله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء (قالوا إنا تطيرنا بكم) أي: تشاءمنا بما جئتمونا به، (لئن لم تنتهوا لنرجمنكم) قيل: بالمقال، وقيل: بالفعال، ويؤيد الأول قوله: (وليمسنكم منا عذاب أليم) توعدوهم بالقتل والإهانة. (قالوا طائركم معكم)أي: مردود عليكم (أإن ذكرتم) أي: بسبب أنا ذكرناكم بالهدى ودعوناكم إليه، توعدتمونا بالقتل والإهانة (بل أنتم قوم مسرفون) أي: لا تقبلون الحق ولا تريدونه. قال ابن جرير: والأول أوجه. وقوله تعالى: (وجاء من أقصى المدينة) الإيمان بهم (قال يا قوم اتبعوا المرسلين * اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون) أي: يدعونكم إلي الحق المحض بلا أجرة ولا جعالة. ثم دعاهم إلي عبادة الله وحده لا شريك له ونهاهم عن عبادة ما سواه مما لا ينفع شيئاً لا في الدنيا ولا في الآخرة. (إني إذاً لفي ضلال مبين) أي: إن تركت عبادة الله وعبدت معه ما سواه. ثم قال مخاطباً للرسل: (إني آمنت بربكم فاسمعون) قيل: فاستمعوا مقالتي واشهدوا لي بها عند ربكم، وقيل معناه: فاسمعوا يا قومي إيماني برسل الله جهرة، فعند ذلك قتلوه، قيل: رجماً، وقيل عضاً، وقيل: وثبوا إليه وثبة رجل واحد فقتلوه. وحكى ابن إسحاق عن بعض أصحابه عن ابن مسعود قال: وطئوه بأرجلهم، حتى أخرجوا قصبته. وقد روي الثوري عن عاصم الأحول، عن أبي مجلز: كان اسم هذا الرجل "حبيب ابن مري"، ثم قيل: كان نجاراً، وقيل: حياكاً، وقيل: إسكافاً، وقيل قصاراً، وقيل: كان يتعبد في غار هناك، فالله أعلم. وعن ابن عباس: كان حبيب النجار قد أسرع فيه الجذام، وكان كثير الصدقة فقتله قومه، ولهذا قال تعالى: (قيل ادخل الجنة) يعني لما قتله قومه أدخله الله الجنة، فلما رأى فيها من النضرة والسرور (قال يا ليت قومي يعلمون ? بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) يعني: ليؤمنوا بما آمنت به، فيحصل لهم ما حصل لي. قال ابن عباس: نصح قومه في حياته بقوله: (يا قوم اتبعوا المرسلين) وبعد مماته: (يا ليت قومي يعلمون * بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) رواه ابن أبي حاتم. وكذلك قال قتادة: لا يلقى المؤمن إلا ناصحاً، لا يلقاه غاشاً، لما عاين ما عاين من كرامة الله (قال يا ليت قومي يعلمون * بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) تمنى والله أن يعلم قومه بما عاين من كرامة الله وما هو عليه!. قال قتادة: فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله: (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون). وقوله تعالى: (وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين) أي:وما احتجنا في الانتقام منهم إلي إنزال جند من السماء عليهم. هذا معنى ما رواه ابن إسحاق عن بعض أصحابه عن ابن مسعود، وقال مجاهد وقتادة، وما أنزل عليهم جنداً، أي: رسالة أخرى، قال ابن جرير: والأول أولى. قلت: وأقوى، ولهذا قال: (وما كنا منزلين) أي: وما كنا نحتاج في الانتقام إلي هذا حين كذبوا رسلنا وقتلوا ولينا (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون). قال المفسرون: بعث الله إليهم جبريل عليه السلام فأخذ بعضادتي الباب الذي لبلدهم، ثم صاح بهم صيحة واحدة فإذا هم خامدون، أي: قد أخمدت أصواتهم، وسكنت حركاتهم، ولم يبق منهم عين تطرف. وهذا كله مما يدل على أن هذه القرية ليست أنطاكية؛ لأن هؤلاء أهلكوا بتكذيبهم رسل الله إليهم، وأهل أنطاكية آمنوا واتبعوا رسل المسيح من الحواريين إليهم. فلهذا قيل: إن أنطاكية أول مدينة آمنت بالمسيح. فأما الحديث الذي رواه الطبراني من حديث حسين الأشقر، عن سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "السبق ثلاثة: فالسابق إلي موسى يوشع بن نون، والسابق إلي عيسى أصحاب يس، والسابق إلي محمد علي بن أبي طالب" فإنه حديث لا يثبت؛ لأن "حسين" هذا متروك شيعي من الغلاة، وتفرده بهذا مما يدل على ضعفه بالكلية، والله أعلم.
قصة العزيز قصة العزيز قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: هو عزيز بن جروة، ويقال ابن سوريق بن عديا ابن أيوب بن درزنا بن عرى بن تقي بن أسبوع بن فنحاص بن العازر بن هارون بن عمران. وقال إسحاق بن بشر: أن عزيزاً كان عبداً صالحاً حكيماً، خرج ذات يوم إلي ضيعة له يتعاهدها، فلما انصرف أتى إلي خربة حين قامت الظهيرة وأصابه الحر، ودخل الخربة وهو على حماره فنزل عن حماره، ومعه سلة فيها تين وسلة فيها عنب، فنزل في ظل تلك الخربة وأخرج خبزاً يابساً معه، فألقاه في تلك القصعة في العصير ليبتلى ليأكله، ثم استلقى على قفاه وأسند رجليه إلي الحائط، فنظر إلي سقف تلك البيوت، ورأى ما فيها وهي قائمة على عروشها، وقد باد أهلها ورأى عظاماً بالية فقال: (أنى يحيى هذه الله بعد موتها) فلم يشك أن الله يحييها، ولكن قالها تعجباً، فبعث الله ملك الموت فقبض روحه، فأماته الله مائة عام. فلما أتت عليه مائة عام، وكانت فيما بين ذلك في بني إسرائيل أمور وأحداث، قال: فبعث الله إلي عزيز ملكاً فخلق قلبه وعينيه لينظر بهما فيعقل كيف يحيي الله الموتى، ثم ركب خلقه وهو ينظر، ثم كسا عظامه اللحم والشعر والجلد ثم نفخ فيه الروح، كل ذلك وهو يرى ويعقل، فاستوى جالساً، فقال له الملك: كيف لبثت؟ قال: لبثت يوماً، وذلك أنه كان لبث صدر النهار عند الظهيرة وبعث في آخر النهار والشمس لم تغب، فقال: أو بعض يوم ولم يتم لي يوم، فقال له الملك: بل لبثت مائة عام، فانظر إلي طعامك وشرابك، يعني الطعام الخبز اليابس، وشرابه العصير الذي كان اعتصره في القصعة، فإذا هما على حالهما لم يتغير العصير والخبز اليابس، فذلك قوله: (لم يستنه) يعني: لم يتغير. وكذلك التين والعنب غض لم يتغير شيء من حالهما، فكأنه أنكر في قلبه، فقال له الملك: أنكرت ما قلت لك؟ انظر إلي حمارك فنظر إلي حماره قد بليت عظامه وصارت نخرة، فنادى الملك عظام الحمار، فأجابت وأقبلت من كل ناحية حتى ركبه وعزيز ينظر إليه، ثم ألبسها العروق والعصب، ثم كساها اللحم ثم أنبت عليها الجلد والشعر، ثم نفخ فيه الملك فقام الحمار، رافعاً رأسه وأذنيه إلي السماء ناهقاً يظن القيامة قد قامت، فذلك قوله: (وانظر إلي حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلي العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً). يعني: وانظر إلي عظام حمارك كيف يركب بعضها بعضاً في أوصالها، حتى إذا صارت عظاماً مصوراً حماراً بلا لحم، ثم انظر كيف نكسوها لحماً: (فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير) من إحياء الموتى وغيره. قال: فركب حماره حتى أتى محلته فأنكره الناس وأنكر الناس وأنكر منزله، فانطلق إلي وهم منه حتى أتى منزله، فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مائة وعشرون سنة كانت أمة لهم، فخرج عنهم عزيز وهي بنت عشرين سنة كانت عرفته وعقلته، فلما أصابها الكبر أصابها الزمانة، فقال لها عزيز: يا هذه أهذا منزل عزيز؟ قالت: نعم هذا منزل عزيز، فبكت، وقالت: ما رأيت أحداً من كذا وكذا سنة يذكر عزيزاً، وقد نسيه الناس، قال: فإني أنا عزيز، كان الله أماتني مائة سنة ثم بعثني، قالت: سبحان الله! فإن عزيزاً قد فقدناه منذ مائة سنة فلم نسمع له بذكر، قال: فإني أنا عزيز، قالت: فإن عزيز رجل مستجاب الدعوة يدعو للمريض ولصاحب البلاء بالعافية والشفاء، فادع الله أن يرد علي بصري حتى أراك فإن كنت عزيزاً عرفتك. قال: فدعا ربه ومسح بيده على عينيها فصحتا وأخذ بيدها وقال: قومي بإذن الله، فأطلق الله رجليها، فقامت صحيحة كأنما نشطت من عقال، فنظرت فقالت: اشهد أنك عزيز. وانطلقت إلي مجلة بني إسرائيل وهم في أنديتهم ومجالسهم، وابن لعزيز شيخ ابن مائة سنة وثماني عشر سنة، وبني بنيه شيوخ في المجلس فنادتهم، فقالت: هذا عزيز قد جاءكم. فكذبوها، فقالت: أنا فلانة مولاتكم دعا ربه فرد علي بصري وأطلق رجلي، وزعم أن الله أماته مائة سنة ثم بعثه، قال: فنهض الناس فأقبلوا إليه فنظروا إليه، فقال ابنه: كان لأبي شامة سوداء بين كتفيه، فكشف عن كتفيه فإذا هو عزيز، فقالت بنو إسرائيل: فإنه لم يكن فينا أحد حفظ التوراة فيما حدثنا غير عزيز وقد حرق بختنصر التوراة ولم يبق منها شيء إلا ما حفظت الرجال فاكتبها لنا، وكان أبوه سروخاً قد دفن التوراة أيام بتختصنر في موضع لم يعرفه أحد غير عزيز، فانطلق بهم إلي ذلك الموضع فحفره فاستخرج التوراة وكان قد عفن الورق ودرس الكتاب. قال: وجلس في ظل شجرة وبنو إسرائيل حوله فجدد لهم التوراة، ونزل من السماء شهابان حتى دخلا جوفه، فتذكر التوراة فجددها لبني إسرائيل، فمن ثم قالت اليهود عزيز ابن الله، للذي كان من أمر الشهابين وتجديده التوراة وقيامه بأمر بني إسرائيل كان جدد لهم التوراة بأرض السواد بدير حزقيل، والقرية التي مات فيها يقال لها ساير اباذ. قال ابن عباس: فكان كما قال الله تعالى: (ولنجعلك آية للناس) يعني: لبني إسرائيل، وذلك أنه كان يجلس مع بنيه وهم شيوخ وهو شاب، لأنه مات وهو ابن أربعين سنة، فبعثه الله شاباً كهيئته يوم مات. قال ابن عباس: بعث بعد بختنصر، وكذلك قال الحسن. والمشهور أن عزيزاً نبي من أنبياء بني إسرائيل، وأنه كان فيما بين داود وسليمان وبين زكريا ويحيى، وأنه لما لم يبق في بني إسرائيل من يحفظ التوراة ألهمه الله حفظها، فسردها على بني إسرائيل، كما قال وهب بن منبه: أمر الله ملكاً فنزل بمعرفة من نور فقذفها في عزيز فنسخ التوراة حرفاً بحرف حتى فرغ منها. وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أنا أولى الناس بابن مريم، والأنبياء أولاد علات، وليس بيني وبينه نبي" وقال وهب بن منبه: كان فيما بين سليمان وعيسى عليهما السلام. وقد روي ابن عساكر عن أنس بن مالك وعطاء بن السائب أن عزيزاً كان في زمن موسى بن عمران، وأنه استأذن عليه فلم يأذن له، يعني لما كان من سؤاله عن القدر، وأنه انصرف وهو يقول: مائة موتة أهون من ذل ساعة. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نبي من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملة، فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، ثم أمر بها فأحرقت بالنار، فأوحى الله إليه: فهلا نملة واحدة" فروى إسحاق بن بشر عن ابن جريج، عن عبد الوهاب ابن مجاهد، عن أبيه أنه عزيز. وكذا روى عن ابن عباس والحسن البصري أنه عزيز.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)